ترجمة القصة القصيرة
وجدتني وأنا أعقب على إحدى المتابعات الثقافية التي تفضل بنشرها الأستاذ م.س. احجيوج حول ترجمة القصة القصيرة,
ترجمة القصة القصيرة
وجدتني أستطرد مسترسلا, فكانت السطور التالية:
لعله ليس بين الأجناس الأدبية بتشعبات فنونها المختلفة ما هو أقرب إلى الشعر على المستويين: الجوهري المتعلق بالتقاط الفكرة, والوظيفي المتعلق بالغائية الكامنة وراءها؛ لعله ليس هنالك ما هو أقرب إلى الشعر (وليس النظم) من القصة القصيرة وإن تباين التكنيك واختلفت طبيعة البناء تبعا لاختلاف هذين الفنين.
إذا نحن قررنا ذلك سنفهم -بطبيعة الحال- سر الإشكاليات المتعلقة بترجمة القصة القصيرة, إذ تتطلب ترجمتها احترافية عالية تضمن نقل الشحنات الداخلية الصادمة لشعور المتلقي قدر الإمكان, وهو ما يعني اشتراط وجود عنصر القدرة على الخلق في نفس المترجم, عليه أن يكون كاتبا آخر للنص, وهذا ما لا تشتطره ترجمة نصوص أخرى بقدر متكافئ من الصرامة مع كون الحاجة إلى مثل تلك القدرة على الخلق أمرا مفروغا منه.
إن الترجمة ليست عملية آلية ساذجة, بل هي عملية إعادة صياغة وتكوين لا بد وأن تأخذ بعين الاعتبار حتى تلك التفاصيل الغائرة في النص والمتصلة اتصالا وثيقا بالتشكيلات الداخلية والخارجية لكل من البيئتين الثقافيتين المأخوذ عنها والمنقول إليها على حد سواء, بحيث يمهد المترجم للقارئ الثاني (المترجم له) الطريق لالتصال بالنص في مستواه الإبداعي وليس في مستواه المعرفي, والفرق بين المستويين جد كبير, فالمستوى الإبداعي هو المستوى الذي يضمن للنص لعب دوره كمؤثر فني على نفس القارئ, أما المستوى المعرفي فلا يضمن أكثر من نقل جملة من التصورات والمعلومات والأفكار التي لا تقدم للقارئ أكثر من فرصة لإضافة شيء جديد إلى مخزونه الثقافي الخاص, ومع أن هذا المستوى الأخير أيضا من بين أحد أهم الدواعي إلى الترجمة إلا أنه لا ينبغي وضعه على رأس القائمة , فالمعرفة ميدان آخر له فرسانه, والقارئ الثاني حين يقتني نصا أدبيا مترجما يقتنيه لذات الهدف الذي من أجله يقتني نصا أدبيا أصليا, وعدم مراعاة هذا العامل ستعود بنظرة سلبية على النص ذاته.
وعلى كاتب النص الأصلي ترك فسحة للمترجم ليتمكن من خدمته وتكييف نصه بدرجة تسمح له بالنمو في البيئة الأخرى, لكن هذا لا يعني -بحال من الأحوال- أن تتحول إحدى سوناتات شكسبير إلى قصيدة للفرزدق, إذ من اللازم نقل النكهة الخاصة عبر اللغات المختلفة فلتلك النكهة سحرها الخاص أيضا.
ولعل نجاح كثير من الترجمات التي ربما بدت أكثر جمالا منها في لغتها الأصلية يؤكد مدى خطأ المقولة الزاعمة بأن هنالك نصا أعلى من الترجمة؛ صحيح, قد يكون هنالك نص أعلى من المترجم ولكنه لن يكون أبدا أعلى من الترجمة متى ما كان القائم عليها هو الآخر مبدعا ومتذوقا متمكنا, هذا مع الاعتراف بأن ترجمة القصة القصيرة من حيث الخطورة تأتي في المرتبة الثانية بعد الشعر ثم تتبعها سائر الفنون والمعارف كل حسب طبيعته.
ولعل من بين العوامل المسهمة في نفور بعض الأدباء من الترجمة هو قراءتهم للنص الجديد في اللغة الأخرى بعيني اللغة الأولى مع انظلاقهم من ذات الحظة القديمة (لحظة كتابة النص الأول), ومن أولائك الكتاب الشاعر نزار قباني الذي عبر عن هذا الموقف بقوله: النص المترجم هو الوجه الآخر من البساط, بمعنى أنه متصل به أوثق اتصال ولكنه يفتقر إلى الإشراق المتجلي في التوليفة الخاصة.
بقي أن أشير إلى أن أمر تقديم الشعر ومن بعده القصة القصيرة على سائر الفنون الأدبية أمر نسبي بالتأكيد, فترجمة بعض النصوص الروائية قد تبدو أعسر من ترجمة ديوان شعري, فروائية مثل أحلام مستغانمي تتطلب ترجمة أعمالها من المهارة والإمكانات ما لا تتطلبه ترجمة بعض دواوين الشاعر نزار قباني لا سيما المتأخرة منها, حيث تبدو أحلام أقرب إلى جوهر الشعر ولغته من نزار بكثير,وإذن فالمُعّول عليه هو جوهر الشعر وليس جنس العمل الأدبي الذي ربما انتمى العمل إليه بحكم التغليب لا أكثر.