تستمر المعركة, ويستمر السؤال
المعركة مستمرة, الكيان الصهيوني يريق ماء وجهه يوما بعد يوم, ويواصل تخبطه على أمل أن يعود إلى المندسين في الأقبية بشيء غير خُّفي حنين, بشيء غير قتل المدنيين الأبرياء, وغير تدمير البنية التحتية واستهداف المساعدات الإنسانية, فهذا كله لن يخرج القردة من مخابئها, وهذا كله لن يعيد النازحين إلى الشمال الفلسطيني المحتل.
المعركة مستمرة وحزب الله ما زال فتيا قويا, يؤكد للجميع أن “إسرائيل” التي زعم الزاعمون أنها جبل لا تهزه الريح ما هي إلا بيت عنكبوت (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) لقد أقام الدليل العملي على ذلك, وهذا هو -حسب تصوري- أهم إنجاز انكشفت عنه الأحداث المتكّشفة أيضا عن جثة عملية السلام التي شبعت موتا وتعفنا.
المعركة ما زالت مستمرة بين عجز عربي وتخبط صهيوني ومقاومة باسلة على يد حزب صغير, فكيف كان سيكون الحال لو أن هذه الدويلات المتناثرة أعدت نفسها ليوم كأيام حزب الله ولكنها لم تفعل؛ لأنها لم تتعامل مع الكيان الصهيوني بوصفه كيانا حربيا مصطنعا, زرعته القوى الاستعمارية لإشعال المنطقة وإشغالها, وأن نهوضه بهذا الدور التخريبي واستمراره فيه؛ يشكل جوهر بنيته الوجودية ومبرر نموه وبقائه, مما يعني أن عدائيته ليست استرتيجية مؤقتة تفرضها الظروف المحلية والإقليمية وملابساتها على هذا الكيان فرضا, بحيث يمكن تجاوزها مستقبلا؛ ولقد كان هذا التصور المغلوط والمتجاهل لطبيعة الكيان الصهيوني هو المسؤول عن عدم إدخال إعداد العدة بشكل جاد في حسابات هذه الدول التي راحت تتعامل مع هذا الكيان على أساس أنه دولة كأي دولة أخرى لها وجودها الشرعي بسذاجة متناهية يصعب الحديث عنها بألفاظ محترمة من قاموس لغة حية الضمير.
المعركة مستمرة وستبقى مستمرة ما دمنا ننطلق من تصورات مغلوطة نحو اتجاهات شتى في ظل غياب الهدف الواحد وتغليب المصالح الشخصية والطائفية التي عادة ما تُلْبَس الزي الوطني ليسهل عللى المتنفعين إخفاء أداة الجريمة والفرار بعد اغتيال الحقيقة.
والسؤال بعد هذا كله: هل الكيان الصهيوني ملزم بأن يقدم أكثر مما قدم للموت والخراب والتشرد من هدايا؛ ليفهم الجاهلون والمتجاهلون ما كان يجب أن يفهموه منذ أمد بعيد, فيغيروا أساليب تعاطيهم مع ما يحدث, ويبنوا استراتيجياتهم المسقبلية بموضوعية لا تتخذ من النظرة الضيقة منطلقا, ولا من المصلحة المحدودة هدفا؟
هذا ما يجب أن يسأل دائما وبإلحاح يستبعد الإجابات المعدة للاستهلاك الإعلامي, والتجييش العاطفي, وذر الرماد في العيون, كما فعلت بعض الأنظمة العربية حين تاجرت بالقضية الفلسطينية للوصول إلى مآربها, أو كذريعة تبرر سياسات التجويع والاستبداد وعدم الجدية في سلوك طريق التنمية الشاملة وبناء مواطن صالح في وطن تنتصب فيه القامات وتشمخ الأنوف ولا تغادره العصافير بحثا عن هواء تتنفسه وتحلق فيه.
تستمر المعركة, ويتسمر السؤال حتى وإن توقف إطلاق النار, فمجددا سيبدأ والمعركة مستمرة والسؤال يدور معها وجودا وعدما.