أوقفوا سيل الفتاوى.. نريد أن نعبر
بخطوات حذرة يجب أن يتحرك البيت الأبيض, هذا ما نُصِحَتْ به الإدارة الإمريكية عند تعاملها مع الملف الإيراني, وهي نصيحة جادة لا يغفل مدى واقعيتها إلا من يجهل أحد أهم وأخطر أسلحة إيران الفتاكة, ذلك السلاح الذي يمكنها من فتح أبواب الجحيم ليس على إمريكا وحدها بل وعلى عموم دول المنطقة متى شاءت وبمجرد جرة قلم شريطة أن تصدر -هذه الجرة- مصدقة كفتوى مرجعية.
بمثل هذه الفتاوى -سنية كانت أو شيعية- نال الدستور العراقي الأغلبية اللازمة للتصديق عليه, وبمثل هذه الفتوى روع الآمنون وقتل الأبرياء وهوجمت المصالح الخاصة والمنشئات العامة وطورد المفكرون وهددوا واغتيلوا, بل بمثل هذه الفتاوى قلبت دول بأكملها على رؤوس مواطنيها.
ودعونا نجري مقارنة سريعة بين ماضي الفتيا وحاضرها لندرك مقدار الهوة والانحراف:
في الماضي كان الصحابة الذين يعون قوله نبيهم (ص) (( أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار )) يفرون من الفتيا ويحيلون على من هو أعلم منهم, بينما نجد معظم شيوخ اليوم يتسابقون على أبواب الفضائيات والمجلات والصحف حتى باتوا أشهر من نجوم السنما وفرسان الإعلام.
وفي الماضي كان لا يخجل عالم في قامة الإمام مالك أن يسأل فيقول: لا أدري مرارا وتكرارا, بينما معظم مشايخ اليوم حين يسألون لا يمنحون أنفسهم حتى فرصة للمراجعة والتفكير, فالفتوى دائما جاهزة, ولعلها أسرع قرار يتخذه في حياته, ربما لأن تبعات هذا القرار (الفتوى) وانعكاساته لا تخصه أو تمسه بشكل مباشر.
وفي الماضي أيضا كان المفتي هو أول من ينزع القداسة عن فتواه ويلبسها قميص الاحتمال, فعل ذلك الشافعي حين قال: ((رأيي صواب يحتمل الخطأ, ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)) بينما يبلغ السوء ببعض مشايخ اليوم ادعاء الإجماع في مسائل يعلم أقل الناس دراية بالشريعة أنها مسائل خلافية, وإن اضطر هذا المفتي “الكذاب” إلى إيراد الخلاف أو سها فأورده لا يسهو عن أن يزّكي اختياره بقوله الراجح كذا, أو الصحيح كذا, مع أن اختياره هذا كثيرا ما يكون مرجوحا أو مدعما بأدلة لا ترقى إلى درجة الاحتجاج.
وفي الماضي -وفي الماضي فقط- كان المفتي بالجهاد يتقدم الصفوف طلبا للشهادة, بينما مصدرو فتاوى الموت والخراب اليوم يكتفون بالتحريض تاركين مهمة التنفيذ للسذج والأغمار.
هذه هي بعض صور الفرق بين حاضر فتيانا المفجع وبين ماضيها الذي لم يكن مثاليا بقدر ما كان طبيعيا, ومنه يتأكد أن هذا المنهج الإفتائي المعاصر ليس هو منهج السلف الصالح كما يدعون, وإنما هو أحد آثار زمن الانحطاط الفكري والتقليد المذهبي الذي تعود بدايته الفعلية إلى لحظة مرت قبل ما يقارب ألف عام حين صدر “البيان القادري” المحرم لحرية التعبير والمصادر لحق الاختلاف, وحين أعلن بعض الفقهاء -كابن عابدين في حاشيته- إغلاق باب الاجتهاد مما شرعن للجمود والتقليد.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد من السوء ولم يتجاوزه إلى ما هو أسوأ على يد كثير من الفقيهاء المعاصرين, حيث أباحوا لأنفسهم التدخل في كل صغيرة وكبيرة باسم شمولية الدين, فتحدثوا في شؤون السياسة والاقتصاد والمجتمع, بل أباحوا لأنفسهم ما هو أبعد من ذلك حين سمحوا لها بتنكب الحديث في ميادين العلوم الإنسانية والطبيعية مما يحتاج الحديث فيه إلى قاعدة معرفية لا تتوفر لكل أحد, والمأسف في الأمر أن من يتلقفها من البسطاء والعوام يتعامل معها كما لو كانت وحيا منزلا لا يجوز مناقشته أو التشكيك فيه, مما أدى إلى تشويه الحقائق الدينية وغير الدينية من جهة, وإلى استمرار وتفاقم الصراع والانشقاقات في المجتمع الواحد من جهة أخرى.
وإذا كان المقلد السني يجد من الفسحة ما يسمح له بالانتقال من سيطرة مفتٍ إلى سيطرة آخر, فإن المقلد الشيعي محظور عليه حتى هذا الانتقال, وإزاء هذه الثقة العمياء والتسليم المطلق يستغني المرجع الشيعي حتى عن ممرسة عمل شكلي كإيراد الحجج الإقناعية (الأدلة) لمتبعيه كما يفعل نظيره السني, فاسمه المسبوق بسطر طويل من الألقاب ينهض وحده كدليل قاطع أصح وأبلغ من كل دليل, وبهذا تحولت الأمة إلى قطعان متناحرة متنافرة, وكل فرد من أفراد هذا القطيع أو ذاك ينتظر الأمر الإلهي ليحدد موقفه من أي مستجد أيا كانت طبيعته, والمفتي قد يتركه لأي شيء عدا الحيرة والانتظار, وكيف يتركه لذلك وهو النبي الجديد وكلامه الكلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
الأمتة قطعان, والمفتي يشارك السياسي في سياسته والاقتصادي في اقتصاده والمعلم في مدرسته, بل لا يبخل على المرأة بالمشورة “الملزمة” في اختيار ملابسها وطرق وأدوات تزّينها وزينتها, ولا أدري لماذا يتصرف هؤلاء بهذه الطريقة الفجة وهم يعلمون تمام العلم أن هنالك أشياء داخلة ضمن المسكوت عنه رحمة من الله بالناس وليس نسيانا منه كما جاء في الأثر, غير أن هذا المسكوت عنه أصبح شيئا منسيا لا وجود ولا أثر له في أدمغة هؤلاء الذين يتبعون من يتبعهم حتى إلى غرف النوم ويحشرون أنوفهم في أدق التفاصيل, فإذا بالمباح وقد تقلص هامشه إلى أن أصبحت كلمة “لا يجوز” هي ما نتوقع سماعه من كل عظيم اللحية قصير الثوب, فهم إلم يحرموا بالدليل -ولو كان ضعيفا- حرموا بالقياس فإن عجزوا حرموا بالعرف أو بالحيطة وسد الذرائع, وهكذا يتوخون كل مدخل للتضييق على الناس, ولا يعلمون أنهم بهذا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وقد قال (ص) (( الدين يسر, وما شاّدَ الدين أحد إلا غلبه )).
شيء مخلجل ومرّوع أن تجد أكثر من خمس سكان العالم يتحرك بـ”ريموت” كما تتحرك البيادق على رقعة الشطرنج, ومن يرفض الامتثال أو يحاول كشف قواعد اللعبة والتشكيك في مدى حكمة اللاعبين وأهليتهم يتهم على الفور بالكفر والزندقة ومحاربة الدين, فكيف نرجو تقدما أو نحلم بازهار ونحن أمة مسلوبة الإرادة يفتقر أفرادها إلى ممارسة الاختيار الحر بعقلانية واستقلال؟
إنه لمن الخير لنا كأفراد نريد العبور إلى مجتمعاتنا والالتحام بها, ومن الخير لنا كمجتمعات تريد اللحاق بركب الأمم المتقدمة, من الخير لنا جميعا أن ندرك مدى استحالة العبور وسيل الفتاوى المتلاطم يسد الطريق, وإذا كانت بعض الدول وإذا كان بعض الأفراد, إذا كانوا يساندون الفتيا ويعززون الخطاب الديني السائد لأنه يخدمهم في جانب, فإن عليهم أن يعوا جيدا أنه سلاح ذو حدين والواقع الذي نعيشه أكد وما زال يأكد ذلك؛ لذا يجب أن تتظافر الجهود ويعّمق الوعي وتسن القوانين والتشريعات للحد من هذه الظاهرة الكارثية ومحاصرتها وإعادة إنتاجها في شكلها القائم على الدين باعتباره خطابا روحانيا وخطوطا عريضة لحياة كريمة, وليس باعتباره أغلالا تشل حركة الأفراد وتشد المجتمعات إلى الوراء.