إن عجزنا عن تلقي الرصاص .. فلا أقل من أن نقدم الورود
إن عجزنا عن تلقي الرصاص.. فلا أقل من أن نقدم الورود
كثيرا ما ردد على مسامعنا مدرسو العلوم الاجتماعية هذه المقولة: الحضارات تقوم على ضفاف الأنهار..
وهذا صحيح؛ فإن من لا يمتلك القمح واالسكر والتين وغيره من الفواكه الموسمية والمجففة -على سبيل المثال- من الطبيعي أن لا يمتلك تراثا من المأكولات الشهية وليدة الاستقرار والرفاهية, بل من الطبيعي أن لا نعثر حتى في لغته على مخازن جذرية لتلك الدلالات فضلا عن أن تجد لها بيوتا لفظية تشغل مساحة لا بأس بها من إرثه القومي وإذا شئت يقينا فاسأل البدو عن تلك المسميات.
إذن فليست اللغة –على الحقيقة- إلا مرآة إنسانها لا تشرق إلا بما ينعكس فيها منه..
لكن هذه التلازمية بين الحضارة والخصب لا تعني أن الإبداع مرتبط بالخصب, فالإبداع معنى أعم من الحضارة, وما الحضارة إلا أحد تجلياته.
وكما تولد الحضارة بالتزاوج بين الالإنسان والخصب, يولد الإنسان العظيم حيثما وقع تزاوج بين الإرادة والمعاناة.
إذن فكما أن الحضارة تولد من رحم الخصب, فكذلك الإبداع يولد من رحم المعاناة؛ ولإن كان لنا أن نستشهد بشتى الحضارات البشرية في مسيرتها الكبرى عبر العصور قديمها وحديثها على أن الحضارة ابنة الخصب, فلنا أيضا أن نستشهد اليوم وبكل فخار بهذه البطولات التضحوية والفكرية التي قدمها وما زال يقدمها الشعب الفلسطيني الصامد مطاولا بقامته كل المثل والأزمنة, مستمدا من الوعي عزيمة متفجرة, ومن الرغبة في التجاوز والاستقلال إرادة خلاقة.
كم هو رائع وجميل هذا الشعب, وكم هو بطل ومعطاء, حيث يولد من ذاته بذاته, ويبني له وطنا حيث ما حل وارتحل..
استعرضوا بأبصاركم وسائل الإعلام المتشظية إلى مقروء ومسموع ومرئي, استعرضوا رفوف المكتبات النائمة ورفوف المكتبات المستلقية على عتبات الشوارع التي لا تنام, ادخلوا –إن شئتم- كبريات المراسم والعيادات والشركات الخاصة, مارسوا كل الأفعال المضارعة..
ستجدونهم دائما هناك, وهناك دائما, ودائما في المقدمة!!!
كبار الأطباء والأدباء والمفكرين إلخ…
وقبل هؤلاء وأؤلائك زهراتنا اللواتي قدمن أنفسهن جسورا ليعبر عليها الوطن خارجا من شراسة المتغطرس الصهيوني, قدمن أنفسهن أرواحا لأزاهير الوطن وفراشاته وأعياده, في حين لا نجد نحن أبطالا يقدمون أنفسهم لتشرق شمس هنا أو تتسع رقعة من الضوء هناك!!
ما أمجدك يا زمن النساء ستقدم وطنا لرجال القبائل الذين هدموا أوطانهم على رؤوس الأبجدية وساداتها..
لن أذكر هنا أسماء فذاكرتكم ليست بحاجة إلى أي محفز من أي نوع, فقط أنا سأعيد الصياغة لتلك الصورة الظلية التي تقف هاتيك الأسماء شاهقةً عليها: حينما يحقق الإنسان ذاته بذاته لا يموت ولا يهزم ولا يترك المفردات المعجمية تحاصره في العراء؛ لأنه لا يمتلك ظلا بل يمتلك شمسا.