قراءة صباحية
كثيرا ما تساءلت: لماذا يحرص بعض الكتاب على الدخول في صدامات غير ذات جدوى مع الدين كدين لا مع بعض أديلوجيات ومفاهيم وممارسات الفكر الديني؟
كان التساؤل يقودني مع البعض إلى نتيجة ما كحب الظهور والإغراب, أما مع البعض الآخر فلم تكن الصورة واضحة تماما, والتكهنات وحدها كانت كل ما أمتلك.
هذا الصباح بدأت التكهنات تضمحل شيئا فشيئاا, وبدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا إلى الحد الذي أصبحت معه تجيب عن السؤال المثير للتكهنات بدقة.
ففي هذا الصباح؛ قرأت ما سجله شاب “إنترنتي” من واقع تجربته الشخصية محاولا رصد وتتبع الخط البياني لتحوله من أقصى اليمين المتطرف إلى أقصى اليسار الذي يحلو لي أن أسميه “اليار التصادمي” تمييزا له عن “اليسار التقدمي” وبينهما من الفرق ذات المقدار ما بين الهمجية والعبث وبين التعقل والجدية.
صاحبنا نشأ نشأة دينية تلقينية متطرفة كنشأة معظم أطفال القصيم من الوهابية أو كنشأة معظم أطفال القطيف من الشيعة, فالفكر الديني السائد يحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة, والممارسات الدينية المكثفة تحتل معظم الوقت وستهلك الجهد والطاقة, وتضع أمام العقل والإبداع مئات العقبات التي ما تلبث أن تستحيل إلى حاجز سميك يحول دون تطوير الذات وبنائها بشكل صحيح يجعل من الفرد نجمة ساطعة في سماء الوطن.
قرأته بعناية لم تغفل استقبال الإشارات السيكلوجية المتلاحقة عبر النص وتحليلها.
قرأته بعناية, وأخذت أقارن بين حياته تلك البائسة وبين حياتي المختلفة عنها تماما.
فصحيح أنني ولدت في أسرة تمارس الشعائر الدينية, وتنتمي إلى بيئة محافظة؛ لكنني لم أتعرض إلى مثل ما تعرض إليه صاحبنا من ضغط وتلقين وإكراه, فوالدي لم يكن يسوقنا إلى صلاة الفجر سوقا بالعصى رغم أنه كان لا يتخلف عنها أبدا, ولم يكن يجبرنا على الصيام ونحن صغار, كان يبدي فرحه وابتهاجه بنا حين نفعل ولا نلحظ عليه سخطا أو تضجرا إذا لم نفعل؛ وكان في منزلنا تلفاز وفيديو و”مسجل” وكنا بشكل طبيعي نشاهد الملسلات ونستمع إلى الأغاني, وكان والدي يشاهد ويستمع معنا إلى ما نشاهد ونستمع دون أن يبدي اعتراضا.
وحين بدأ انتشار ما عرف إسلامويا ب”الصحوة” لم يكن يشجعنا على متابعة الأشرطة الدينية أو ينهانا عن متابعتها عدا أشرطة البكاء والعويل التي لم يكن يستريح إليها كثيرا, ولم يكن يأخذنا إلى المحاضرات الدينية إلا في أحايين قليلة ولبعض مشايخ مشهورين وقتها يزورون المنطقة فيشارك الجميع في الحضور بعفوية تامة, وقد ينتقد بعض ما طرح عند انصرافنا كما كان يفعل عند انصرافنا من صلاة الجمعة الأسبوعية.
ولم يكن والدي بدويا ليس لأن القبيلة التي ينتمي إليها ليست بدوية فحسب, بل ولأنه كان رجلا معقول الثقافة, له إلمام متوسط بالدين والأدب والتاريخ, ولديه قدرة على النقد واستنباط الأفكار, فهو إذن يختلف بشكل جذري عن والد صاحبنا الذي كان بدويا جلفا يفرض عليه الدين فرضا تزيده قساوة أسرة جاهلة تعيش في بيئة منغلقة ترى في المظاهر الدينية الشكلانية نوعا من التطهير والتميز.
أجل, كنت أقف قبل الآن متسائلا عن سر مهاجمة حزمة من الكتاب -معظمهم من الموضويين- لالدين كدين رغم أن طرحهم لا يدل على امتلاك ذهن وقاد, ولا يشف عن ثقافة عريضة تقف خلف أقلامهم التي لا تكاد تتعامل مع الكلمات والجمل نحوا وأسلوبا بشكل صحيح, كنت أتساءل والآن بدأت أفهم, فهؤلاء لا ينطلقون من موقف فلسفي ولا من رؤية عقلانية, وليس ما يكتبونه حصيلة قراءات موضوعية أو تأمل جاد ووقفات متأنية؛ ولكنه ردة فعل مضادة لما مورس عليهم من صور التطرف وألوان القمع والاضطهاد, فكتاباتهم تلك ليست إلا تفريغات نفسية مريرة, ومحاولات انتقام ساذجة, لا تستند في طرحها الهجومي لا إلى ما تدعيه من موضوعية ومنطق, ولا إلى ما تتغنى به من واقعية ووحياد, وإنما تستند إلى إرث من تصورات طفولية عائدة إلى زمن الطفولة وما بعد الطفولة مشفوعة بادعاءات ميتة في بطون الكتب يعاد بعثها, وربما انتحلها هذا الكاتب أو ذاك وقدمها كفتح جديد من نتاج ذهنه الخلاق بعد أن “يبهرها” ببضع اقتباسات ينقلها بشكل ببغائي غالبا عن نقاد الأديان بوجه عام أو عن بعض المستشرقين الذين يحررون كتاباتهم من منطلقات تعصبية وشعوبية لا علاقة لها بالمعرفة, فيأتي صاحبنا بتلك النقولات لعلها تعينه على تسويق بضاعته المزجاة, وإشعار الآخرين بأنه صاحب ثقافة عريضة, وعلو كعب في مناهج البحث العلمي.
ونظرا لكمية الحقد والأحاسيس السلبية التي تركتها تلك المراحل الغابرة, يغدو الحوار مع مع مثل هذا الكاتب مهمة مستحيلة, فما إن تشرع في تفنيد ما يطرح حتى يتمّثلك ذهنه المتحسس في صورة ذلك الأب الوصي المضطهد ورجل الدين الذي يحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة, ويستحضر ثقل الممارسات الدينية التي حرمته من توظيف الوقت والاستمتاع بالحياة, وبالتالي فهو ليس حتى على استعداد ولو لمجرد التفكير في ما تطرح, لا سيما وأن له في الحيدة أو في سلوك مسلك النعامة نجاة وأي نجاة من طرحك ذاك, فإما أن يتجاوزه متجاهلا عن تعمد, وإما أن ينتزع جزئا منه ويحوره كما يشاء له الفهم القاصر إلى أغلوطة أخرى تدعم فكرته المتهافتة, وكأننا في مبارزة المنتصرُ فيها موعود بالنياشين وبليلة دافئة في حضن سمراء القبيلة!!!
وقبل أن أدرك هذا كنت أتعجب من قفز بعض أعضاء المنتديات فوق ما أكتب أو تلاعبهم به مع كونهم يدعون معاداة الأدلجة ويتباهون باتباع العقل, ومع كون ثقافتهم تمكنهم من التفنيد والنقض لو استطاعوا إليه سبيلا؛ ولكن لعلمهم بأن الشروع في تجزئة التعليق إلى فقرات ومناقشتها ربما ينسف ما يطرحونه من أساسه؛ يفضلون التجاهل والابتعاد وهذا جموح يخرج بصاحبه عن هدف الحوار وأخلاقياته, وتصرف مخجل لا يرتضيه على نفسه المثقف الحق الذي يبرهن على اكتمال عقله بالتراجع عن الخطأ حين يلوح له الصواب, ويبرهن على نضج معرفته بقوله “لا أدري” حين لا يدري, وما أكثر من يجهل قدره ويظن عن جهل وغرور أن الآخرين يجهلونه أيضا, فيمضي سادرا لا يثنيه عقل ولا يستنقذه حياء.
وكما مكنتني هذه القراءة الصباحية من تشخيص ظط؛ مكنتني أيضا من إدراك السبب الذي يجعل كثيرا من من يّدعون اللبرالية في بلادنا العربية كتابا موتورين يحّطون من شأن الهوية ويخوضون المعارك الضارية ضدها بمناسبة وبغير مناسبة, وفي ذات الوقت يسعون سعيا حثيثا إلى تلميع صورة المستعمر الإمبريالي والدعاية لمشروعاته المشبوهة مع التغافل عن الآثار السلبية المترتبة عليها؛ فالمسببات هي هي, إذ ما هذا الطوفان الهادر إلا ابن شرعي لأولائك الأفراد من ضحايا العقد النفسية التي أفقدتهم الحكمة والتعقل والاتزان, وما هو إلا ابن غير شرعي للسياسات الأجنبية ذات المصالح الكبرى في المنطقة.
ولا أخفيكم أنني بدأت أشعر بكثير من الضيق والحرج وأنا أتصفح كتابات هؤلاء الأدعياء, فهم -رغم أنوفنا- محسوبون على التيار التنويري, وإن كانوا لا يخدمون بأطروحاتهم المريضة هذه إلا أعداء التنوير والمشككين في دعاته بترسيخهم المفاهيم المغلوطة وتحويلها إلى قناعات لدى عامة الناس تزيدهم عنا بعدا ومنا نفورا, مع أننا في غنى عن خوض المعارك الجانبية وإشعال الحرائق هنا وهناك.
بالطبع من حق كل مثقف طرح ومناقشة ما له مساس بحياتنا من مقولات وممارسات الفكر الديني, وهذا المقال لا يحظر ذلك, ولكن بالحكمة والتلطف وإقامة الحجج العقلية بل والنقلية, وليس بالتناول السطحي والاقتحام الساذج, ولا بنصب المجانيق وهدم المعبد على من فيه, ففي ذلك من التفاهة وقلة الذوق, وفيه من التمكين للمشاريع التخريبية والسياسات المعادية للإنسان ما ينبغي أن يجعلنا قبل القوى الأخرى نفند ما يكتب هؤلاء الأدعياء واضعين النقاط على الحروف بصراحة ووضوح؛ ليميز الناس الفارق الجوهري بين المثقف التنويري الجاد الملتزم الساعي إلى مصلحة وطنه وأمته, وبين المرضى بقائمة من العقد تبدأ بترسبات الطفولة ولا تنتهي عند حب الظهور, وأعتقد أن هذا الفعل التوعوي هو أهم ما علينا القيام به في المرحلة الحالية, يجب أن نكسب ثقة الناس وحبهم أولا وثانيا وثالثا ما دمنا عاجزين عن إبهارهم بالمكتشفات العلمية والمكتسبات المعرفية كما فعل رواد النهضة الأوربية الحديثة من قبل.