الاستخدام السلبي للتكنلوجيا - مكبرات الصوت نموذجا
يرتفع نداء الحق مع حلول كل صلاة من الصلوات الخمس, فتستقبله الأرواح الزكية بالترحيب, وتهفو إليه القلوب المؤمنة بالتلبية, وتلك صورة نبتهج بها, ونحرص على استمرارها؛ ففي دوامها وفي تجددها دوام وتجدد العلاقة بالله -عز وجل- وربط لعالمنا الأرضي بعالم الملكوت السرمدي بجلاله ونورانيته.
وكما نعلم -جميعا- فإن “الأذان إيذان بدخول الوقت ” الهدف منه الإعلام والتنبيه؛ وقديما كان يحدث ذلك بصعود “المؤذن” إلى رأس المئذنة, ورفعه عقيرته بالنداء: الله أكبر, الله أكبر… بصوت عالٍ وندي وقوي, والقوة هنا مطلوبة لضمان وصول الصوت إلى أبعد مدى ممكن من الحارة أو القرية, ومع هذا فقد كان الصوت محدودا بمحدودية إمكانات الحنجرة البشرية.
وحديثا تمكنا من تجاوز تلك المحدودية بفضل التكنلوجيا المتطورة؛ حيث أسهمت “مكبارات الصوت” في مد مساحة هذا الصوت إلى آفاق أبعد وأبعد؛ غير أن توظيف هذه التكنلوجيا بعيدا عن الاسترشاد بمقاصد الشريعة أدى إلى إساءة استخدامها, فإذا بالشعائر المقدسة تتحول إلى معاول تسلب الفرد هدوءه, وتغرق المدينة في دوامة من الضجيج تنأى بالكل عن الروحانية والجمال!!!..
يحدث هذا عقب كل أذان بدقائق, ولمدة تتفاوت من مسجد لآخر, وكان يمكن تجنب مثل هذه الظاهرة السلبية -المكرسة لشكلانية الدين- لو أن القائمين على المساجد أغلقوا “مكبرات الصوت” الخارجية فور انتهاء كل أذان, مكتفين بالمكبرات الداخلية, إذ لا مصلحة تأّمل من وراء نسج سحابة صوتية فوق المدينة تتداخل فيها أصوات القراء وتشتبك الآيات القرآنية الكريمة , فضلا عن الدروس التي تلقى قبل أو بعد الصلوات والتي يفترض أن تكون موجهة لمن هم بداخل الجوامع وليس لمن هم في المنازل أو المتاجر أو حتى في الأسواق والطرقات يمارسون شؤون حياتهم اليومية منشغلين بما هم فيه عن وعظ الواعظضين وإن كان ثمينا.
على رجال المساجد أن يتبنوا منهج التعقل والاعتدال, عليهم أن يتفهموا مقاصد الشريعة ويحترموا روحانيتها, كما أن عليهم أن يعوا طبيعة الحياة المدنية, فيراعوا خصوصية الأفراد بل وخصوصية الشرائح الاجتماعية المختلفة أيضا, فذا لم يفعلوا -ومن المتوقع أن لا يفعلوا إلا قليلا منهم- فإنه يلزم على الدولة ممثلة في أجهزتها المعنية أن تسعى إلى فرض ذلك عليهم بالقانون, وأن تعمل على متابعة الخارجين على المنطق السليم, والعاملين على تشويه الشريعة وشكلنتها, فما هذا المظهر إلا أحد إفرازات الذهنية الشكلانية القاصرة, والذي لا تتطلب عملية الكشف عنه, وتحديد مدى ما فيه من خلل مجهودا يذكر, إذ يكفي أن يقف أحدنا بضع دقائق على عتبة بيته أو في أي شارع أو متجر أو زقاق وسيستمع بوضوح كيف يضرب كتاب الله بعضه ببعض عبر مكبرات العديد من المساجد المتجاورة والتي تتداخل أصوات قرائها في عملية نشاز غير مسبوقة, تشيع جوا غير مألوف ولا مريح رغم تكرره اليومي.
إن في كل مدينة وقرية مسافرون وعاجزون ومرضى, وهؤلاء لا تلزمهم صلاة الجماعة المختلف في وجوبها على القادرين ابتداء؛ وفي كل مدينة وقرية وبيت نساء وأطفال لا تجب عليهم صلاة الجماعة أيضا, وكثير من هؤلاء وأولائك تحضر صلاة الجماعة وهو نائم أو مشغول بعمل يتطلب سكينة وهدوءا , فأي حكمة وأي مصلحة في إيقاضه أو إزعاجه وقد قال (ص) (لا ضرر ولا ضرار) وهي قاعدة أصولية لا يجهلها حتى عامة الناس, ثم هل خلت قلوبنا من الرحمة, أم خلت أخلاقياتنا من السلوك المتحضر لنسلك مسلك إيذاء هذا أو ذاك, وإلى متى سنظل شكليين وفارغين لا نقيم للجوهر وزنا, ولا نعير عقولنا لحظة نحاول فيها فهم ما يحدث ولماذا يحدث وهل من سبيل إلى إصلاح الخلل ومعالجة الخطأ أو محاربته متى وجد؟
لقد قال الجهلاء من رجال الدين كلماتهم الظلامية وما زالوا يقولون ويفعلون ما يقولون, فمتى ينهض العلماء الراسخون في العلم من سباتهم ليوقفوهم عند حدهم ويمنعوهم من تزييف الإسلام وشكلنته وتزويره, ومن تضليل العامة واستعبادهم والمضي بهم إلى الهاوية.
اللهم قد بلغت, اللهم فاشهد.