وصف “الأحساء” - وثيقة تاريخية عن مجتمع عربي تقدمي
السلام عليكم -تحية عربية خالدة- وبعدد:
فخلال قراءتي لما سّجله الرحالة المعروف “ناصر خسرو” من تفاصيل ضمنها كتابه الأشهر “سفر نامه” وقععلى وثيقة تاريخية بالغة الأهمية تتعلق بمنطقة “الأحساء” الواقعة في شرق المملكة العربية السعودية.
وأهمية هذه الوثيقة تكمن في ما انطوت عليه -رغم قصرها- من مشاهدات تقدم في مجموعها صورة متعددة الأبعاد, إذ تتناول الحياة السياسية والاقتصادية بل والاجتماعية وإن بإشارات عابرة, كما تشير إلى العلاقات التبادلية بين الفرد والدولة إلخ…
وفيها تظهر الدولة (وهي الدولة القرمطية) كدولة تقدمية ذات توجه اشتراكي إصلاحي, حيث لا مكوس تجبى, وحيث الدولة تدعم الأفراد ماديا وتقنيا, وحيث تمتلك وسائل الإنتاج ولكنها في ذات الآن تتيح الملكية الفردية بل وتشجع عليها أيضا.
كما تظهر الدولة القرمطية الأحسائية كدولة علمانية , إذ هي لا تتخذ من الدين مصدر تشريع مطلق, كما أنها لا تقيم شعائره ولا تنهى من شاء من المتدينين إقامتها عن ذلك, أي أنها تتعامل مع الدين كقضية شخصية بحتة.
وكم كنت أتمنى لو أن الرحالة الفاضل -آنس الله روحه بالسكينة الأبدية- أفاض في وصف الحياة الاجتماعية؛ لنكون على معرفة أكبر بطبيعة الحياة في ذلك المجتمع اللا ديني من جهة , ولنتبين مدى سلامة ما جاء في بعض المصادر الأخرى من الإشارة إلى أن “المجتمع الأحسائي” كان مجتمعا مغايرا يتعاطى “شيوعية النساء” وهو لون من ألوان الشيوعية الصرفة دعى إليه ونجح في تطبيقه الحكيم الفارسي “مزدك” مدة من الزمن بمعونة من الملك “قباذ الأول” سنة 488 م؛ على أنني أشكك في صحة مزاعم تلك المصادر لأسباب عدة لعل من أهمها:
1. أنه ما كان لهذه الظاهرة -شيويعية النساء- أن تخفى عن رحالتنا لو أنها كانت فاشية بالفعل, وما كان لقلمه الذي سجل الدقائق والاستطرادات أن يغفل عن إيرادها ولو على استحياء كعادة الرحالة العرب والمسلمين إزاء كل ما يتعلق بالمرأة.
2. أن ذلك المجتمع -بشهادة خسرو نفسه- لم يكن مجتمعا يعاقر أفراده شرب الخمر “أم اللذائذ” وبالتالي فعلاقات أفراده غير مبنية على “اللذائذية” كمنهج تفكير أو شرعة حياة, فإذا انتفت “اللذائذية” وهي أحد احتمالي شرعنة “شيوعية النساء” فلا يبقى إلا الاحتمال الآخر, وهو اعتماد “القرامطة” المقدمات التي اقترحها الفيلسوف الفارسي “مزدك” حين ارتأى بأن مصدر الشر في العالم إنما يأتي من التقاتل والتنافس على اثنين: المال والمرأة, فإذا حصل الاشتراك فيهما زالت الشرور جميعا, وهذا الاحتمال مدفوع أيضا؛ لأن القرامطة لم يتبنو اشتراكية تامة وإنما توجهو توجها اشتراكيا معتدلا (أشبه بالطريق الثالث) بغرض تحقيق العدالة الاجتماعية, وحين يرتفع هذان الاحتمالان لا يظل لدينا مسوغ يجلعلنا نصر على الاحتفاظ بمثل هذه المقولة عن مجتمع فريد من نوعه في تاريخ المنطقة وما جاورها.
3. من المستبعد جدا أن يقبل المجتمع العربي -الذي تدمن حواسه الخمس ثمار شجرات الأنساب- فكرة كهذه الفكرة الوافدة.
هنا أرى أنه يلزمني التوقف عن هذا الاستطراد والاعتذار عنه, فقد شدني الموضوع رغم أنني بدأت بكتابة الكلمة الأولى وفي عزمي الإشارة إلى أنني سأرجأ تسجيل تأملاتي وخواطري عن نص الوثيقة إلى ما بعد نشره مشاركا الجميع ما آمل أن يكون من تفاعل أو يدور من حوار.
وأّياً كانت إطالتي فلا أظنها تعفيني من تدوين بضع سطور تعريفية بالرحالة الفاضل.
ناصر خسرو
ناصر بن خسرو بن الحارث البقدياني المروزيأبو معين: عالم وشاعر ورحالة فارسي, كان له معرفة واسعة بأصناف العلوم وفي مقدمتها التنجيم والفلسفة والرياضيات, وقد خلف وراءه مجموعة من الكتب والرسائل نثرا وشعرا.
ولد خسرو في (قباديان) من بلاد ما وراء النهر قرب (ترمذ) وعاش في (مرو) وفيها حفظ القرآن الكريم ودرس الأدبين العربي والفارسي وتلقى سائر علوم أهل زمانه, ثم التحق بخدمة السلطان محمود بن سبكتكين وابنه مسعود أيام الدولة الغزنوية, ثم انتقل إلى خدمة حاكم خراسان (جري بك داود) السلجوقي الذي حظي لديه رحالتنا بمكانة عالية فولاه أمر الخزانة مدة من الزمن استقال بعدها خسرو مفضلا ترك الجاه والملذات والرحيل إثر عاصفة من التشكك كادت تبلغ به حد الإلحاد, هذا في تعليل, وفي تعليل آخر أنه كان قد اتصل بدعاة الفاطميين واعتنق المذهب الإسماعيلي ثم خرج بعد ذلك في رحلة طويلة ظاهرها قصد الحج وباطنها السعي لملاقاة إمام الزمان بمصر.
وأيا ما يكن من أمر فقد بدأ خسرو رحلته منطلقا من (مرو) في سنة 437-ه ومتابعا رحلته عبر بلاد الشام لينتهي به المطاف إلى مصر بعد عامين ليلتقي هنالك الخليفة (المستنصر بأمر الله) الذي نصبه “حجة” ليكون بذلك أحد الاثني عشر الذين نصبهم الإمام بنفسه, ولنراه بعد سنوات يشغل منصب (داعي الدعاة) في بلاد ما وراء النهر حتى وفاته عن سبع وثمانين سنة.
وفي سنة 344 سلك رحالتنا طريق العودة عبر الأحساء والبصرة إلى بلاده بعد أن حج مع رسول الخليفة الفاطمي حجتين في حملة (الكسوة) وذلك لعدم خروج قوافل الحج من مصر خوفا من الهلاك لما حل بالحجاز من مجاعة وجدب في تلك الأعوام الخوالي.
وصف الأحساء
والحسا مدينة في الصحراء ولبلوغها عن أي طريق ينبغي اجتياز صحراء واسعة والبصرة أقرب البلاد الإسلامية التي بها سلطنة إلى الحسا وبينهما خمسون ومائة فرسخ ولم يقصد سلطان من البصرة الحسا أبداً.
والحسا مدينة وسواد أيضاً, وبها قلعة ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة من اللبن المحكم البناء بين كل اثنين منها ما يقرب من فرسخ.
وفي المدينة عيون ماء عظيمة تكفي كل منها لإدارة خمس سواق, ويستهلك كل هذا الماء بها فلا يخرج منها, ووسط القلعة مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة وفيها أكثر من عشرين ألف محارب.
وقيل إن سلطانهم كان شريفاً, وقد ردهم عن الإسلام وقال إني أعفيتكم من الصلاة والصوم, ودعاهم إلى إن مرجعهم لا يكون إلا إليه واسمه “أبو سعيد” وحين يسألون عن مذهبهم يقولون: إنا أبو سعيديون؛ وهم لا يصلون ولا يصومون ولكنهم يقرون بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وبرسالته, وقد قال لهم أبو سعيد إني أرجع إليكم -يعني بعد الوفاة- وقبره داخل المدينة وقد بنوا عنده قبراً جميلاً, وقد أوصى أبناءه قائلاً: (يرعى الملك ويحافظ عليه ستة من أبنائي يحكمون الناس بالعدل وللقسطاس ولا يختلفون فيما بينهم حتى أعود) ولهؤلاء الحكام الآن قصر نيف هو دار ملكهم وبه تخت يجلسون هم الستة عليه ويصدرون أوامرهم بالاتفاق وكذلك يحكمون, ولهم ستة وزراء على تخت آخر ويتداولون في كل أمر كان لهم في ذلك الوقت ثلاثون ألف عبد زنجي حبشي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين وهم لا يأخذون عشوراً من الرعية, وإذا افتقر إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله, وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له, وكل غريب ينزل في هذه المدينة وله صناعة؛ يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات ويرد إلى الحكام ما أخذ حين يشاء, وإذا تخرب بيت أو طاحون أحد الملاك ولم تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بأن يذهبوا إليه ويصلحوا المنزل أو الطاحون ولا يطلبون من المالك شيئاً, وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجانا ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين.
وهؤلاء السلاطين الستة يسمون “السادات” ويسمى وزراؤهم “الشائرة”.
وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة ولا تقام بها صلاة أو خطبة إلا إن رجلاً فارسياً اسمه “علي بن أحمد” بنى
مسجداً, وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الحسا والبيع والشراء والعطاء والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في زنابيل يزن كل منها ست آلاف درهم فيدفع الثمن عددا من الزنابيل, وهذه العملة لا تسري في الخارج, وينسجون هناك فوطاً جميلة ويصدرونها للبصرة وغيرها.
وإذا صلى أحد فإنه لا يمنع ولكنهم أنفسهم لا يصلون, ويجيب السلاطين من يحدثهم من الرعية برقة وتواضع , ولا يشربون مطلقاً .
وعلى باب قبر أبي سعيد حصان مهيأ بعناية عليه طوق ولجام يقف بالنوبة ليلاً ونهاراً يعنون بذلك إن أبا سعيد يركبه حين يرجع إلى الدنيا, ويقال إنه قال لأبنائه: (حين أعود ولا تعرفونني إضربوا
رقبتي بسيفي فإذا كنت أنا حييت في الحال) وقد وضعت هذه الدلالة حتى لا يدعي أحد أنه أبو سعيد.
وقد ذهب أحد هؤلاء السلاطين بجيش إلى مكة أيام خلفاء بغداد فاستولى عليها وقتل من كان يطوف بالكعبة وانتزع الحجر الأسود من مكانه ونقله إلى الحسا وقد زعموا إن هذا الحجر مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم ولم يفقهوا إن شرف محمد المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وجلاله هما اللذان يجذبان الناس؛ فقد لبث الحجر الأسود في الحسا سنين عديدة ولم يذهب إليها أحد, وأخيراً اشتري منهم الحجر الأسود وأعيد إلى مكانه.
وفي الحسا تباع لحوم الحيوانات كلها من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وغيرها وتوضع رأس الحيوان وجلده بقرب لحمه ليعرف المشتري ماذا يشتري, وهم يسمنون الكلاب هناك كما تعلف الخراف حتى لا تستطيع الحركة من سمنها, ثم يذبحونها ويبيعون لحمها.
والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الحسا إلى ناحية الشرق فإذا اجتازه المسافر وجد “البحرين” وهي جزيرة طولها خمسة عشر فرسخاً, والبحرين مدينة كبيرة أيضاً, بها نخل كثير ويستخرجون من هذا البحر اللؤلؤ, ولسلاطين الحسا نصف ما يستخرجه الغواصون منه, وإذا سار المسافر جنوب الحسا يبلغ عمان -وهي في بلاد العرب- وثلاثة جوانب منها صحراء لا يمكن اجتيازها, وولاية عمان ثمانون فرسخاً في مثلها, وهي حارة الجو ويكثر بها الجوز الهندي المسمى “نارجيل” وإذا أبحر المسافر من عمان نحو الشرق يبلغ شاطئ “كيش” و”مكران” وإذا سار جنوباً بلغ “عدن”, فإذا سار في الجانب الآخر يبلغ “فارس”.
وفي الحسا تمر كثير حتى أنهم يسمنون به المواشي ويأتي وقت يباع فيه أكثر من ألف من بدينار واحد.
وحين يسير المسافر من الحسا إلى الشمال سبعة فراسخ يبلغ جهة “القطيف” وهي مدينة كبيرة بها نخل كثير, وقد ذهب أمير عربي إلى أبواب الحسا ورابط هناك سنة, واستولى على سور من أسوارها الأربعة وشن عليها غارات كثيرة ولكنه لم ينل من أهلها شيئاً, وقد سألني حين رآني عما تنبئ به النجوم, قال أريد إن أستولي على الحسا فهل أستطيع أم لا فإن أهلها قوم لا دين لهم, فأجبته بما فيه الخير له.
وعندي إن كل البدو يشبهون أهل الحسا فلا دين لهم ومنهم أناس لم يمس الماء أيديهم مدة سنة, أقول هذا عن بصيرة لا شيء فيه من الأراجيف, فقد عشت في وسطهم تسعة شهور دفعة واحدة لا فرقة بينها, ولم أكن أستطيع إن أشرب اللبن الذي كانوا يقدمونه إلي كلما طلبت ماء لأشرب, فحين أرفضه وأطلب الماء يقولون: أطلبه حيثما تراه ولكن عند من تراه, وهم لم يروا الحمامات أو الماء الجاري في حياتهم.
انتهى بنصه عن الكتاب المذكور, وهو منقول عن اللسان الفارسي.
ملحوظة
إيرادي لهذه الوثيقة لا يعني أنني أمجد الحركة القرمطية أو أتبنى كل ما لديها من فلسفة وأفكار وإن كان بعضها يثير الدهشة والإعجاب بالنظر إلى محيطه وأوانه.
المدون