الصابئة المندائية - الجزء السادس والأخير
الأعياد والمناسبات
تمهيد
قبل أن ننعرض لالأعياد والمناسبات الدينية المندائية؛ يحسن بنا أولا أن نعرف بالتقويم المندائي, وهو التقويم المعتمد مندائيا في حساب الأعياد والمناسبات الدينية.
(ا) السنة المندائية:
تتألف السنة المندائية في الأصل من ثلاث مائة وستة وخمسين يوما؛ ولكن لأنه جرى ضبط مدة أشهرها الأثني عشر بثلاثين يوما فقد وصل تعداد أيامها إلى ثلاث مائة وستين يوما, وتضاف إلى هذه السنة خمسة أيام تسمى ال(بنجة) تبدأ أول ساعاتها بآخر ساعة من الشهر السادس, وبنهاية آخر ساعة منها يبتدئ الشهر السابع وهي لا تدخل في حساب أشهر السنة وأيامها وستنحدث عنها في ما بعد.
(ب) الأسبوع المندائي:
الأسبوع المندائي مبدوء بيوم الأحد, وأسماء أيامه كالتالي:
· هوشبا: الأحد.
· أترين هوشبا: الأثنين.
· ثلاث هوشبا: الثلاثاء.
· اربا هوشبا: الأربعاء.
· همشا هوشبا: الخميس.
· اورفتا: الجمعة.
· شفتا: السبت.
(ج) الأشهر المندائية:
سبقت الإشارة إليها في (ا) وأما أسماؤها وما يوافقها فكالتالي:
· امبرا: كانون الثاني, يناير.
· تورا: شباط , فبراير.
· صلمي: آذار, مارس.
· سرطانا: نيسان, إبريل.
· اربا: أيار, مايو.
· شمبلتا: حزيران, يونيو.
· قينا: تموز, يوليو.
· ارقوا: آب, أوغسطس.
· هطيا: أيلول, سبتمبر.
· كديا: تشرين الأول, أكتوبر.
· دولا: تشرين الثاني, نوفمبر.
· نونا: كانون الأول, ديسمبر.
وهذه هي قائمة الأعياد والمناسبات:
1. كنشي وزهلي (الاجتماع والتطهير):
تصادف هذه المناسبة آخر أيام السنة المندائية.
وفيها يصطبغ (يتعمد) المندائيون بقصد التهيؤ لل(كرصة) , وتنص الكتب المندائية على أن الاصطباغ في هذا اليوم بملابس دينية جديدة يعادل سبعين اصطباغا.
2. الكرصة:
ابتداء من الساعة السادسة من مساء يوم كنشي وزهلي يعتكف المندائيون في منازلهم طيلة ست وثلاثين ساعة أي أنها تنتهي بالساعة السادسة من صبيحة العيد الكبير, وهذا هو ما يعرف بالضبط بالكرصة.
ويعتقد المندائيون بأن هذا الوقت يصادف الوقت الذي خلق فيه (مانا ربا) نفسه, وأن الملائكة والأثيريين الذين على الأرض يعرجون مع الساعة السادسة إلى (مانا ربا) في رحلة تستغرق اثنتي عشرة ساعة ليهنؤوه, ويمكثوا لديه اثنتي عشرة ساعة ثم يعودون إلى الأرض في اثنتي عشرة ساعة أيضا.
وسر اعتكافهم هذا يعود إلى اعتقاددهم بأن الأرض تخلو من الملائكة والأثيريين وتنتشر فيها قوى الظلام؛ لذا فهم -وهم الحريصون على التطهر- يمتنعون حتى عن الاغتسال بالماء الجاري لسيطرة تلك القوى الظلامية عليه , ومن يغتسل أو حتى يضع يده في الماء يعرض نفسه للعقاب ويلزم بكفارة قاسية, فقد جاء في بعض كتبهم المقدسة هذا النص: {كل من يضع يده في الماء الجاري يوم رأس السنة سيكون من حصة النار ويجب عليه أن يصطبغ خمسين مرة برستة جديدة} وهذا ما يفسر أيضا حرصهم على جلب الماء قبل حلول هذه المناسبة.
ملحوظة:
يجب أن لا نتعدى هذا الموضع قبل أن نضع علامتي استفهام وتعجب أمام فكرة أن أحدا يخلق نفسه ولو كان الإله ذاته, ولا أدري كيف يوفق الصابئة بين اعتقادهم بوحدانية الإله وكونه الخالق المطلق وبين هذه الفكرة الغامضة؟!!!
والواقع أننا لم نقف في ما بين أيدينا على ما يتناول هذا الإشكال وليس أمامنا في الوقت الراهن إلا أن نعتقد بأن له صلة بنظرية الفيض والصدور.
3. البرنويا (اليام البيضاء المخسة):
· سبقت الإشارة إلى وقتها عند حديثنا عن السنة المندائية, كما سبقت الإشارة إلى معتقد الممندائية فيها عند حديثنا عن خلق العالم.
وفي هذه الأيام الخمسة تجري الكيثر من المراسم والطقوس الدينية الجماعية والفردية ومنها:
· الاصطباغ على أيدي رجال الدين.
· عمل طقس الوفائي على أرواح الأحبة والأسلاف الذين غادروا هذا العالم.
· الاغتسال الصغير (الطماشا) صبح كل يوم.
· إقامة الصلوات والأدعية في كل وقت إذ الدعاء مستجاب في هذه الأيام.
· التصدق بالمال وتطهير النفس والتواصل مع الآخرين.
· إطلاق البخور ذي الرائحة الطيبة.
· عدم تناول الطعام المذبوح على غير الطريقة المندائية مع تفضيل أكل السمك.
ويسمى آخر هذه الأيام يوم التذكير.
4. تذكار أبو الهريس (يوم الغفران):
يصادف هذا اليوم 1 تموز مندائي.
ويعتقد المندائيون بأنه في هذا اليوم قام نوح (ع) هو وابنه سام بعمل الليافة (طعام الغفران) على أرواح الذين هلكوا في الطوفان.
كما يعتقدون بأنه لم يبقَ على متن سفينة أبوينا نوح وسام إلا سبعة أنواع من الحبوب تمّثل أيام الأسبوع السبعة, ومن هرس هذه الحبوب جاءت التسمية.
5. دّكُ الفل:
تصادف هذه المناسبة 1 أيار مندائي .
ويعتقد المندائيون أنه في هذا اليوم هبط الملاك (هيبل زيوا) بأمر من ملك النور العالي إلى الأرض التي كانت وقتها خربة تغمرها المياه لكي يعمرها ويهيئها لخلق أبين آدم عليه السلام.
كما يعتقدون أن طعام آدم (ع) كان التمر والسمسم وهو عندهم طعام ملائكي؛ لأن النخلة والسمسم الأبيض شجرتان مقدستان موجودتان في عوالم النور العليا, وهم يسمون مزيج التمر بالسمسم: فل.
6. دهفة اد ديما (عيد التعميد):
يصادف هذا العيد 1 كانون مندائي .
ويعتقد المندائيون أنه في هذا اليوم اصطبغ (عمد) النبي يهيا عندما كان عمره ثلاثين يوما هنالك في جبل بروان (الجبل الأبيض) حيث اعتنت به الأرواح النورانية التي أخذته من أمه حتى لا يتمكن اليهود من تنفيذ توّعدهم بقتله.
ومن هنا تبرز أهمية هذا اليوم كونه يوما مقدسا يصطبغون فيه صغارا وكبارا.
7. ددهوا هنينا (العيد الصغير):
يصادف هذا العيد 18 أيار مندائي.
ويعتقد المندائيون بأنه في هذا اليوم عرج الملاك (هيبل زيوا) إلى السماء بعد أن جُبِلَت الأرض على يديه وتفجرت المياه الجارية وخلقت جميع الكائنات الحية بأمر الحي العظيم , وبعروجه ابتهجت الملائكة وعوالم النور.
وقد جاء في بعض النصوص المقدسة: {مبارك سبحانك ملك الأنوار العالي هذا اليوم وإلى أبد الآبدين, بكلماتك خلق ونودي أرسل أثيري اسمه جبريل الرسول وأمرناه اذهب واحسر وبسر منا جبلت وصلبت الأرض ونجدت رقعة السماء وسيرت بجوفها الكواكب, أوهب الشمس نورا والقمر تقنا والكواكب كلها لمعانا , هب المياه بسمة والنار أسوا , وأنبت الأشجار والأعناب واجعلها مزدهرة في ذلك العالم , أوجد الحيوانات والدواب والطيور الجميلة وكل أصنافها ذكرا وأنثى, أعطِ ماء الحياة واجعل الماء يروي العالم كله وهب رياحا أربعة ونسيما تتنسمه الدنيا}.
8. اليوم المقدس في المندائية:
اليوم المقدس في المندائية هو يوم الأحد وهو أول أيام الأسبوع.
ويعتقد المندائيون بأن لهذا اليوم ملاكا قائما عليه وهذا الملاك هو الذي يعرج بالأرواح إلى ملكوت الحي العطيم.
9. الزواج المندائي:
الزواج أحد المناسبات التي تصحبها مظاهر الفرح بطبيعة الحال, ولكن تصحبها مع مظاهر الفرح الطقوس الدينية كتعميد العروسين , وحسب الشريعة المندائية فلا بد من شروط لصحة الزواج منها عقد المهر والشهود.
وللزواج قيمة رفيعة وهو واجب على الأفراد ومن لا يتزوج يحرم من دخول عوالم الأنوار بعد مغادرته هذا العالم, كما أنه يعتبر رباطا مقدسا لا ينتهي بالموت.
وليس في شريعتهم إباحة الطلاق ولكنه قد يقع تحت إشراف رجل دين وتبعا لظروف خاصة تأخذ بعين الاعتبار, وكما أن الطلاق محظور فكذلك أيضا هو تعدد الزوجات محظور, حيث تعتبر الزوجة هي النصف الآخر للزوج حتى أنه لا يجوز لرجل الدين أن يعمد زوجته لأنها جزء لا يتجزء منه.
ولا يحق للمندائية ولا المندائية الاقتران بأحد من خارج الطائفة مطلقا.
المحرمات في الديانة المندائية
هنالك العديد من المحرمات التي يجب على المندائي تجنبها حتى لا يعرض نفسه للعقاب الأخروي, ومنها:
· التجديف باسم الله أي الكفر به والحط من شأنه.
· عبادة غير الله أو السجود لغيره.
· القتل, والانتحار والإجهاض المتعمد.
· قتل الحيوان دون سبب أو إيذاؤه عند نحره.
· السحر والشعوذة بأشكالها وأنواعها.
· الزنى, وهو من أكبر الذنوب وأشدها عذابا.
· الربا والتعاطي به سرا.
· الختان وأي تغيير لخلق الله.
· النياحة والبكاء ولبس السواد على الميت.
· تعظيم القبور وتقديسها وزيارتها لذلك.
· الرهبنة وعدم الزواج.
· الكذب, والخداع, وشهادة الزور, والحلف الباطل.
· الحسد, والنميمة, والغيبة, وخيانة الأمانة والمعشر.
· أكل الدم والميتة والحيوانات المفترسة وما لم يذكر عليه اسم الحي العظيم وذبح الحامل.
· شرب الخمر وغيره من المسكرات والمخدرات وكل ما يضر بصحة الإنسان الجسدية والروحية والعقلية.
· التهاون بالفرائض كالصلاة والتعميد وعدم أدائها.
· عبادة الشهوات واكتناز المال.
· التحدث بالصدقة بعد اعطائها.
· استماع الغناء الفاحش المهيج للشهوات والغرائز.
· تلويث الطبيعة والأنهار.
وفي الجملة فإن المندائية تدعو إلى فعل الحسنات وطاعة الحي العظيم , كما تنهى عن اقتراف السيئات واتباع الشيطان مسترشدة بالنصوص الواردة في كتبها المقدسة.
خاتمة
لعل أهم ما يمكن أن نستنتجه مما سلف حول الديانة المندائية يتلخص في أنها ديانة عتيقة تعتنقها أقلية عرقية يسكن معظم أفرادها العراق , وأن عقائد هذه الديانة كما هي في كتابها المقدس (كنزا ربا) وكما جاء بها نبيها يهيا (يحيى) تقوم على الإيمان بالوحدانية, والإقرار بالنبوة, وبالملائكة وبالحساب الأخروي؛ كما تتضمن عباداتها التعميد والصلاة والصيام والزكاة , ومتبعو هذه الديانة ملزمون بأداء هذه الفرائض كما أنهم منهيون عما يضر بالنفس أو بالآخر كالقتل والسحر والزنى وشرب الخمر والمجاهرة بالصدقة …
وأبرز ما يميز هذه الديانة هي دعوتها المتكررة إلى التطهر روحياًوبدنياً عن طريق التعميد والصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة إلى غير ذلك من المطهرات النفسية والجسدية التي تهدف إلى إمداد الإنسان بالسعادة والسكينة في العالمين الدنيوي الذي يحياه المرء على هذه الأرض والأخروي الذي سينتقل إليه فور مغادرته لهذا العالم.
انتهى.