معنى أن تكون قادرا على استخدام الحاسوب
أن تصبح قادرا على تصفح جريدتك المفضلة كل صباح …
أن تستمتع بمطالعة كتاب هنا أو قصة هناك قبل أن تأوي إلى فراشك …
أن تتلقى رسائلك الخاصة وترد عليها دون الحاجة إلى أحد …
أن تكتب ما تريد وتقرأ ما تريد في أي وقت تريد …
وأن تفعل ما تريد كما تريد في أي وقت تريد …
تلك أشياء عادية, عادية جدا, جدا جدا جدا, مارستَها -أخي المبصر- وما زلتَ تمارسها يوميا بشكل تلقائي؛ ولهذا تشعر أنها عادية, بل ولا يمكن لك أن تشعر بها إلا كذلك؛ لكنها أبدا أبدا ليست كما تعيش وكما يحلو لك أ، تتصور!!!
إنها ثورة كبرى, قفزة نوعية تجاوزت كل فرص اقتناصها لفظيا, وتحولٌ كّمي وكيفي هائل في حياة أناس آخرين يشاركونك ذات الدوافع والأهداف, ويعيشون معك على هذا الكوكب الحي, إنهم نحن .. نحن المكفوفون, نحن الذين طالما تشّوفنا إلى المعرفة وتعطشناإلى ورود ينابيعها الإكسرية دون وسيط, وآه آه لو تدرك دلالة هذا المصطلح “وسيط” في سياق هذه السطور, فهو قادم من معجم خاص غير شائع التداول, إنه يعني ذلك المرشد السياحي الذي من طبيعة عمله أن يقود الكفيف خلال مدن العلم وقراه (الكتب) ويتجول به عبر شوارعها, حدائقها, دهاليزها, ميادينها المترامية؛ غير أن ذلك “المرشد السياحي نادرا ما يحدثك حديثا متصلا عن تلك المعالم, فعادة ما تقفز التفاصيل الصغيرة من كراريس يومياته -عبر الأزقة الجانبية الطافية على السطح والغائرة في مخابئ سرية- إلى كل ما يقابلكما في الطريق بأساليب مبتكرة لا تخطر لك على بال, وكل ما عليك أن تفعله هو أن تلوذ بالصمت حتى يشبع غريزته “الوسيطية” في إسماعك “تكات” ساعته بل وفي وضع ونزع وشقلبة النقاط والحروف, هذا إذا لم يدفعك بكلتا يديه إلى المشاركة في نقاش ليس هذا أوان بزوغه فكل ما يعرف وكل ما لا يعرف يجب أن يقال , وسواء استسلمتَ أو قاومتَ ستدفع الثمن.
وليس هذا هو كل ما هنالك, فصديقنا متعدد الواهب والمهارات, ولذا فلا عجب أن تتحول اللغة لديه إلى كومة من الضجيج المتواصل والشظايا المتطايرة هنا وهناك, وخذ أمثلة على ذلك: موسيقى الشعر تستحيل إلى فرقعات وقنابل فراغية تهّشم قوالب الفراهيدي (مخترع العروض) على رأسه وتغرقه في بحوره, ناهيك عن الصور الفنية التي تستحيل بقدرة قادر من صور بسيطة إلى صور “سريالية” مركبة, ولكنها سريالية مستعصية على الاكتناه, فهي سريالية من نوع خاص أشبه بتمثيل حذف أحد شقيه وترك الآخر هائما على وجهه خارج اليقين والظن والحدس مّتحدا بالهباء.
ولا تحسب أن هذا العمل التخريبي يوهب مجانا, أرجوك لا تحسب ذلك, فهي عملية تشويهية تتطلب جهدا منقطع النظير من الثأثآت والسكتات الإغمائية الطويلة الأشبه بسكتات رياضة “اليوغا, فلا تطلب فائدة أو ترجو متعة بجيب فارغ فالحكمة لا تسكن جيبا فارغا…
وليس هذا كل شيء, فالأمر يطول ويصبح أمّر حين يتعلق بالدراسة الجامعية؛ حيث يتحول الكفيف العبقري إلى طالب متواضع في وعيه وفهمه ومخزونه المعرفي على يد هذا القرين, فيا كم من مبدع تخرج في الجامعة بدرجة مقبول مع أحط مرتبة, ويا كم من آخر يفوق أقرانه طُرِد أو طوي قيده والسبب الجوهري كامن في هذا
الظل الذي لا يفارقه؛ فمن إجابة ناقصة إلى خط كخطوط الضاربين بالرمل بل حتى إلائك
لخطوطهم حدود ورسوم وبيوت مقدرة على الوجوه الهندسية المعتبرة عندهم.
لا أود أن أطيل عليكم أكثر مما أطلت, فقط أحببت أن أنقل إليكم صورة حية عن واقع مّت التقطته عدسة وجداني واحتفظت به كتجربة مريرة عشت فصولها فصلا فصلا منذ صباي الذارب في عشق القراءة والاطلاع إلى يوم قريب.
أما اليوم فقد أصبحت قادرا على قراءة جريدتي المفضلة بعد أن كنت أشتريها وتمكث لدي أياما وأياما وربما لا يتاح لي إلا قراءة عمود أو عمودين منها …
اليوم أصبحت قادرا على قراءة كتاب ككتاب (فصل المقال) لالفيلسوف الأوحد أبي الوليد ابن رشد, بعد أن ظل في مكتبتي سنوات طويلة كنت خلالها عاجزا عن قرائته كاملا رغم صغر حجمه …
اليوم أستطيع كتابة ما أريد والاحتفاظ به بعد أن
ضاع كثير مما كتبت شعرا ونثرا على أوراق “برايل” المتناثرة هنا وهناك وذهب أدراج الرياح …
اليوم بت قادرا على إرسال وتلقي ما أريد دون أن أشرك الآخرين في خصوصياتي بعد أن كنت مجبرا على البوح بها والضرورات تبيح المحظورات …
اليوم أتواصل معكم ومع كل مغّرد وباكٍ في نواحي هذه القرية الكونية عبر هذه الشبكة وفي أي وقت أشاء دون أن أضطر إلى تسّول عيني أحد أو أحاول إقناعه بالتشكل في صورة رُّخٍ يحملني إلى هناك …
باختصار, لقد وهب لي هذا الجهاز الرائع عينين, صحيح أنني لن أرى بهما لا نجوم السنما ولا نجوم السماء, ولكن حسبي أنها أمدتني بجانب من جوانب نعمة البصر التي لا يقدرها حق قدرها إلا من خلق في أرض لا تطؤها الشمس, تلك الملكة السماوية الجبارة التي ترسل جيوشها إلى كل ذرة من ذرات الكون فتفتحها حتى تصل إلى هتين البوابتين المختومتين بخاتم قدري (عينّي) فتعود منكسرة القوس والقلب معا.
اليوم أنا إنسان مضيء شايٍ قادم من أغوار الظلمة والسكون ليقول كلمته ويتغنى بحب الحياة.